الاثنين، 24 نوفمبر، 2014

جمرج ....(رؤية نقدية )

لم اكن اتوقع ان ارجع لهذه المدونة مرة اخرى ، حالة العزلة الاختيارية التى فرضتها على نفسى طالت ولم تستفزها الاحداث التى تجرى . 
حتى كانت (جمرج) لياسر عبد القوى 

(جمرج) قصة قصيرة استطيع ان اعتبرها الطليعة الاولى لتساؤلات متناثرة تجرى من وقت لاخر فى عقول المهتمين حقا بالادب . لطالما تساءلنا اين ذهب المسرح ؟ولماذا هذا التقزيم المتعمد لاى محاولة جادة له ؟ ولماذا كل هذا الزخم الرهيب من ادب اللارواية الجديدة ؟ وما سر تلك السطوة الغير مبررة لتسيدها على الانماط الادبية الاخرى . 

(جمرج) تأخذك من الواقع الى اللاوقع ومن المنطقية الى اللامنطقية ثم تجبرك قسراعلى التساؤل الاتى : وهل لديك تفسيرا اخرا غير ما قدمه صاحب (جمرج) ؟

ياسر عبد القوى استطاع بطريقة او بأخرى ان يضع يده على ازمة الاسفاف والسطحية والتفاهة المسيطرة على ادب اللارواية وهو مصطلح خاص بى ابتكرته قبل خمسة اعوام حينما كتبت رؤية نقدية لرواية العايدى (ان تكون عباس العبد ) كنموذج صارخ من انتحالية وسطحية اصبحت الان متأصلة الجذور فى ادب الرواية وحازت على اقبال شديد وسط الشباب .
حينها - فى نقدى لرواية العايدى - كتبت الفكرة الاتية : تم تدشين وتصدير نمط ادبى فى اوائل ثمانينات القرن الماضى تحت مسمى روايات مصرية للجيب تأليف د.نبيل فاروق ذومعلوماتية شديدة معتمدة على الاخبار بالفعل الدرامى فقط دون الخوض فى جوانب الشخصيات واعتمد هذا النمط على مجرد سرد مثير لاحداث مخابراتية جاذبة للشباب دون ادنى عمق ادبى او قيمة تذكر بخلاف ان يحيا الشباب فى حيلة دفاعية كبيرة من ال Escapism . وعلى مدار سنوات تجرع الشباب هذه التفاهات المسماة أدبا ليتشكل عندهم لاوعى نصى جعلهم يتقبلون اى نمظ مشابه اخر اكثر حرفية وجودة  من اعمال نبيل فاروق ، فكان احمد مراد واحمد خالد توفيق وفيشر .

ولكن لماذا كانت الرواية هى السلمة الاولى نحو حالة التسطيح الهائلة التى نعيشها الان فى الادب والتى رصدها ياسر عبد القوى فى (جمرج )  بمنتهى الشفافية والصدق والالم ؟ الواقع الاجابة على هذا السؤال هو سؤال ايضا ، ان لم تكن الرواية فماذا ؟ 
بنية الرواية فى الاساس تساعد على هذا على عكس المسرح مثلا . اى انسان من الاسهل عليه ان يقص قصة او يكتب اى سرد ادبى ويدعم اعلاميا وماديا ليصبح بعد ذلك اديبا يشار له بالبنان ، اما المسرح فهو مقبرة انصاف الموهوبين والمدعين .   لا يستطيع المدعى ان يثبت ابداعه بالمسرح على عكس الرواية وبالاخص القصة القصيرة .المسرح مرتبط ارتباط عضوى بالعرض المسرحى وخشبة المسرح وبالتالى يكشف زيف مدعى الموهبة .

- الرواية هى سرد ادبى لحدث او احداث تتعلق بشخص او شخوص تداخل افعالهم بشكل درامى لتشكل فكرة يتبناها صاحب الرواية . وكلما كانت الفكرة ضمنية غير صريحة وتصل للمتلقى كمحصلة للقراءة الاجمالية وبشكل غير مباشر، كلما كان العمل اعمق واكثر قيمة . 

- للمرة الثانية يصر ياسر عب القوى ان يكون طرفا فى اعماله . لاادرى سببا لذلك . فراوى القصة هو ذاته الكاتب بأسمه وبأفعاله ، بحبه للقهوة السادة ،وتدخينه للشيشة . هو ذاته اليسارى المناضل العنيد الذى حمل قضية اليسار على عاتقه فى مسرحية ( لاتحزن فلااحد معك) .وهو بذلك قد اخفق ،فذاتية العمل لا تتناسب مع شمول وعموم القضية . وهو بذلك يهبط بقيمة الرواية الى فكرة التجربة الشخصية ليس الا .

- الا انك تلاحظ فى (جمرج) ان شخصية ياسر عبد القوى غير متسيدة للموقف الدرامى فى القصة . لادور لها هذه المرة سوى فى الانصات لسعيد عبد الله وهو ما اعتبره نقطة ايجابية فى فنيات الرواية . ياسر عبد القوى لم يطرح الفكرة بنفسه بل كان مشاهدا ومتلقيا لها تماما مثل القارىء وهو ما اعطى طرحا غير مجروحا للقصة .

- ثم يأتى سعيد عبد الله ذلك النحيف الذى يختفى نصف وجهه خلف عداسات نظارته السميكة وقد سقطت بعض اسنانه وارتدى ملابس شتوية فى عز الحر ليوحى لنا الوصف بأننا امام شخصية غير متزنة ومضغوطة . يفاجئنا سعيد بتفسير غاية فى الغرابة عن تسيد ادب الرواية على جميع الانماط الادبية الاخرى وحالة السطحية والتفاهة الادبية التى نعايشها اليوم .

- يروى كيف تم تأسيس جمعية سرية من روائيين فى ثلاثينات القرن الماضى وعاهدوا انفسهم على دعم الرواية فقط وتحطيم اى نمط ادبى اخر متجاوزين القصة القصيرة كأبن شرعى للرواية . وعلى مدار السنوات استفحلت هذه الجمعية بأجيالها حتى سيطرت على دور النشر واصبح لها علاقات نافذة تحكم بها سيطرتها على مقاليد الامور .ويفاجئنا سعيد او بالاحرى ياسر عبد القوى بالتدليل على كلامه باستحضار احداث ومواقف حدثت بالفعل مع كتاب من اليسار  مسرحيين وشعراء تم اغتيالهم اما معنويا او ادبيا او فعليا على مدار هذه السنوات . ولنا وقفة هنا :
ما فعله ياسر عبدالقوى  هو نفس ما فعله دان براون فى (دافنشى كود ) ونفس ما فعله صالح مرسى فى (اقوى طفل فى العالم ) الفكرة هو ان تأخذ حدث تاريخى ما وتعطى للقارىء تأويل خاص بك لاقناعه بفكرتك .
تم تفسير ما حدث للكتاب اليساريين المسرحيين والشعراء على انه جزء من المؤامرة التى تنسجها (جمرج) لتسييد ادب الرواية الذى من خلاله استطاعوا ان  يسطحوا فكر الشباب.

- والواقع ياسر عبد القوى نفسه لا اراه معنى بشكل كبير فى واقعية فكرة جمرج او بمنطقية تأويل سعيد بقدرما هو معنى بشكل اساسى بأثارة التساؤلات لدى القارىء وعلى رأسها : لماذا لا يظهر لدينا كتاب مسرحيين ؟ وما هو السر وراء انتشار ادب اللارواية وسط الشباب ؟

(جمرج) حينما تقرأها تشعر بلاواقعية النص والفكرة حتى اذا انتهيت منها ، شعرت بضوء خافت بعيد رويدا فى شكل علامات استفهام تحيط بك وتغمرك . ولما لا ؟ وهل لديك تفسيرا افضل ؟ ان لم تستطع ان تنفى فكرة (جمرج) فلما لا تقر بالقبول المؤقت للفكرة ؟
مرة اخرى واقعية الفكرة التى طرحها  سعيد عبد الله او عدمها لا يعنينا فى شيىء . ما يعنينا حقا هو هذه التساؤلات التى استطاع ان يقحمها قسرا لما يحدث الان فى الادب بشكل عام .

- والسؤال الان : لماذا يهاجم ياسر عبد القوى الرواية برواية ؟
للوهلة الاولى كان مجرد سؤال طرحته فى تعليقى على (جمرج) على مدونة ( قهوة سادة على الكورنيش ) وبعد تفكير وجدت ان طبيعة ياسر المناضلة والعنيدة تجعله يفعل ذلك . ياسر دائما ما يهاجم خصومه من حيث لا يتوقعون ومن حيث المجال الذى يجيدونه ، وكأنه يريد ان يقول لهم ( سأهاجم اداعائكم وسطحيتكم وتفاهتكم فى الرواية  من خلال الرواية  لاثبت لكم كم انتم مدعين وكم انتم غثاء كغثاء السيل .
- ولكن اولم يقع ياسر عبد القوى فى الفخ الذى يحذرنا منه ؟
اولم يتأثر بهم ؟ هل نموذج القارىء المثالى ينطبق على ياسر عبد القوى ؟
هل جمرج استطاعت ان تخرج من حيز السطحية الدرامية بالفعل ام لا ؟
اسئلة اتركها لياسر عبد القوى .

- منذ ما يقرب من عشرين عاما او يزيد قليلا  كتبت بحثا عن مسرح ( ادوارد البى ) الكاتب الامريكى  متخذا مسرحيته (The American dream) مثالا على اعماله ، وتجادلت مع احد دكاترة الدراما وقتها فى جدوى النهاية المبتورة من الناحية الادبية . وقتها كانت وجهة نظرى ان النهاية المبتورة  سلاح ذو حدين اما ان تفيد الكاتب فى خلق صدمة لدى القارىء لفكرة النص فينسحب هدف النص على المتلقى دون ان يشعر وبشكل غير مباشر . وهو ما اراه نصب عينى فى نهاية جمرج . تركنا سعيد فجأة بعد ان صدمنا بأنه كان عضوا فى جمرج . ولم يعطنا ما يكفى لنعرف لماذا انقلب عليهم فى الاساس وتبدو فكرة صحوة الضمير ساذجة جدا . تركنا سعيد ولم يجد كاتب القصة مبررا لبقائه معنا اطول من بقاء سعيد . اكثر من جملة (تملص من يدي وانصرف مسرعا متلفتا، لم اره بعدها ولم يتصل بي أبدا.) 

- لماذا كان الحوار مزيجا بين العامية والفصحى ؟ سؤال 
- عبارة ( انه زمن الرواية ) وكتابتها عكسا اجدها جميلة ومستفزة بايجابية للقارىء 
- الجو الماسونى الذى اقحمنا فيه سعيد جو مخيف .
-لم اقرأ لعبد القوى فى ادب القصة سوى (عين الغول ) وجمرج وفى رأيى ان جمرج نقلة نوعية كبيرة فى ادبه . 
-لو كتب ياسر عبد القوى نوفيلا يوما ما اعتقد انه سيحقق تقدما اكبر
لان مساحة النوفيلا تتيح له ولنا الاستمتاع بالبعد الدرامى للشخوص على عكس القصة القصيرة .

 
   



ليست هناك تعليقات: